سليمان بن موسى الكلاعي
295
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي الله بأبى أنت وأمي ! إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى ، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل . فقال : « يا أبا أيوب ، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن تكون في سفل البيت » « 1 » . فلقد انكسر حب لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم منه شئ فيؤذيه . فكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه ، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه ، نبتغي بذلك البركة ، حتى بعثنا إليه بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما ، فرده رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولم أر ليده فيه أثرا ، فجئته فزعا فقلت : يا رسول الله ، بأبى أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة . قال : إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجى ، فأما أنتما فكلوه . فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد « 2 » . قال ابن إسحاق « 3 » : وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس ، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أهل دور مسمون ، بنو مظعون من بنى جمح ، وبنو جحش ابن رئاب ، حلفاء بنى أمية ، وبنو البكير من بنى سعد بن ليث ، حلفاء بنى عدى بن كعب ، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة ، ليس فيها ساكن . فأقام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة ، بنى له فيها مسجده ومساكنه . قال : وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما لم يقل ، أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : « أما بعد ، أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم . فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم
--> ( 1 ) انظر الحديث في : مسند الإمام أحمد ( 5 / 415 ) ، صحيح مسلم كتاب الفتن ( 3 / 171 ) . ( 2 ) انظر الحديث في : البداية والنهاية لابن كثير ( 3 / 201 ) ، مستدرك الحاكم ( 3 / 460 ) ، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عاصم كما في الإصابة ( 1 / 405 ) . ( 3 ) انظر : السيرة ( 2 / 107 ) .